تفاصيل المدونة

القيادة والاستثمار في رأس المال البشري

أصبحت دول العالم تهتم بشكل كبير باستثمار رأس المال البشري Human Capital باعتباره أهم وأغلى ما يمتلكه أي بلد من ثروات، وقد أثبتت الدراسات أن المواطنين المتعلمين والمهرة أكثر إنتاجية وابتكارا، وأنهم يسهمون بدرجة أكبر من غيرهم في تنمية بلدانهم وتطورها.
ويعود مفهوم رأس المال البشري الى القرن الثامن عشر ويشير الى قيمة القدرات البشرية، ووفقا للتقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى "رأس المال البشري" هو المعرفة والمهارات التي يمتلكها الناس والتي تمكنهم من خلق قيمة في النظام الاقتصادي العالمي من خلال اربع محاور: القدرة، التنظيم، التطوير والخبرة.
ولذلك ادركت الكثير من الدول أهمية رأس المال البشرى وانه المحرك الرئيسى لكل تقدم في المجتمع سواء في الصناعة أو الاقتصاد ولذلك وضعت خطط تهتم بالاستثمار في بناء المواطنين ويشمل ذلك النهوض بصحة المواطن وسلوكياته المهارية والمعرفية وقدرته على التكيف مع المتغيرات.
اطلق البنك الدولي مشروع رأس المال البشري لدعم استراتيجيات البلدان واستثماراتها في هذا المجال ومن أوائل البلدان التي تبنت هذا المشروع جمهورية مصر العربية ، وأوضح البنك الدولي في تقريره لعام 2021، أن الاستثمار في البشر يرتكز على محاور تحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية وأطلقت مجموعة البنك الدولي مشروع دعم وإصلاح التعليم في البلاد بتكلفة 500 مليون دولار.
ويعد الاستثمار فى البشر هو الطريق الأوحد لبناء دولة قوية تستند على أساس متين وسليم، لأن البشر هم اللبنة الأولى لأى تقدم وازدهار، فالعنصر البشرى من أهم العناصر الإنتاجية التى يمكن أن تساهم فى تحقيق التنمية، ولذلك فإكساب هذا العنصر المعرفة والتعلم والمواهب والمهارات والقدرات والخبرات، بشكل فردى وجماعى يمثل أهم أشكال الثروة التى يمكن توجيهها لتحقيق أهداف البلدان، خاصة فى الدول التى لديها فائض من العمالة بسبب ارتفاع معدل المواليد كالحال فى مصر.

ويُمثل رأس المال البشري جزءاً غير قليلٍ من تكاليف المؤسسة، يلاحظ ذلك في توجه معظم المؤسسات لتدريب موظفيها وتطوير مهاراتهم التي يجب ان تكون متوافقة ومحققة أهداف المؤسسة ، فهؤلاء الموظفين والقادة والمدراء عندما يتطورون تزداد إنتاجيتهم وجودة ما يقدمونه وبالتالي ينعكس ذلك على أداء المؤسسة، من المهم جداً أن تتفق أصول رأس المال البشري مع احتياجات المؤسسة ومع أي تغيرات في مجال العمل أو مكانته في المجتمع، ويعني ذلك أي تغير في المجال أو المستوى الذي تعمل فيه المؤسسة يجب أن يكون مصحوباً بتطوير المهارات وتجديدها من أجل الحفاظ على تنافسية المؤسسة، وينعكس ذلك في زيادة ربح المؤسسة وتحسين صورتها الذهنية عند المتعاملين معها.
ولا يقتصر استثمار رأس المال البشري على الاستثمار في الموظفين أنفسهم، بل يتجاوز الأمر ذلك ليتعدى مكان العمل الذي بدوره يساعد الموظفين على تحسين وزيادة انتاجيتهم، فإن تزويد المكان بالأثاث والمعدات المناسبة والمريحة ينتج عنه بيئة عمل إيجابية، ومن المهم أن تقوم المؤسسات بتقييم مكان العمل من حيث ظروفه البيئية، واكتشاف أي ظروف غير ملائمة للعمل كالإضاءة السيئة، أو وجود ضوضاء قد تسبب إزعاج لدى الموظفين، أو اكتشاف النزاعات التي قد تنشأ مع بعضهم البعض، وذلك من أجل تعديل هذه الظروف للوصول إلى بيئة عمل آمنة ومريحة للموظفين. وربما يمكن لضمان فعالية عملية التعديل هذه أن يتم أولاً استشعار وتقييم كل الظروف من وجهة نظر الموظفين ومن ثم إجراء التغييرات اللازمة حسب رؤيتهم.
ومن هنا يأتي دور رب العمل او القائد المنوط به قيادة المؤسسة لتحقيق أهدافها فالقيادة هى فرصة للقائد المتميز لتحسين حياة الاخرين وتمكينهم من اداء اعمالهم بصورة افضل وليست ارضاء الجشع الشخصى او اظهار التميز على الاخرين.

يقول الله في كتابه الكريم "قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ" هذه الاية قاعدة ربانية في التوظيف ولمن يتولى امر ما يجب ان يتوافر في الشخص صفتين (القوة والامانة) والقوة هنا تعني انجاز العمل بطريقة صحيحة والأمانة نزاهة اليد وعدم الطمع فيما ليس من حقه.
الكثير من الناس يخلط بين الإدارة والقيادة ورغم أهمية كل منهما وتشابههما لحد كبير إلا أن هناك فرقاً جوهرياً بينهما فالقيادة هي القدرة على تحريك الناس نحو تحقيق هدف المؤسسة فهي تركز على العلاقات الإنسانية والمستقبل وتهتم بالرؤية والتوجهات والاستراتيجية وتمارس أسلوب القدوة والتدريب والاهتمام بهم كبشر ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب تبعا لامكاناته واهتماماته وقدراته.
بينما تركز الإدارة على الإنجاز والأداء في الوقت الحاضر فهي تهتم بالمعايير باللوائح والنظم والقوانين وتركز على الانجاز الآن.
والسؤال الذي يطرح نفسه الان هل القيادة والتي تتلخص في حسن استثمار رأس المال البشري وتوجيهه لتحقيق رؤيا المؤسسة فطرية ام مكتسبة؟
طبقا “The bell distribution theory" نظرية منحنى الجرس 2 % من الناس يولدون قادة بالفطرة، ولايحتاجون لمساعدة خارجية ومن أمثلة هؤلاء خالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
بعد إسلام عمرو بن العاص بخمس شهور يسلمه النبي صلى الله عليه وسلم سريه ذات السلاسل ،ومن جنوده عمربن الخطاب وابو بكر الصديق، فيعترض عمربن الخطاب عليه في بعض الامور، فلا يرد عليه عمرو، فيذهب عمر ليشتكي لابو بكر فيقول له سيدنا أبو بكر " يا عمر لولا انه خير منك لهذا الامر ما ولاه عليك النبي صلى الله عليه وسلم"
كما أن هناك 2% من الناس لايصلحون للقيادة نهائياً وذلك إما لضعف في الشخصية أو النفسية أو لإعاقة بدنية أو فكرية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله تعالى عنه ( إنك ضعيف لا تولين على اثنين )أي إذا كنت مع شخص آخر فهو الأمير وليس أنت ، مع أن أبا ذر من اقرب الصحابة مكانة وقرباً من النبي صلى الله عليه وسلم، أما 96% من الناس فأنهم قادرون على أن يصبحوا قادة إذا تلقوا التدريب والخبرة الكافية.
ادرك الفكر الادارى الحديث أهمية وعى المؤسسات برأس المال البشرى كنواه للتنافس والتأثير في المجال الذى تعمل به المؤسسة مقرون بمعرفة حقيقية لأهمية التنافس وآلياته.
وتعتمد هذه المعرفة على مجموعة عوامل منها اداره عليا تتمثل في قائد المؤسسة الذي يولي اهتمام مدروس بالموارد البشرية ودورها وفق اسس علمية لاستظهار القدرات واكتشاف الكفاءات والطاقات الكامنه لدى العاملين لتحقيق الرؤية الاستراتيجية للمؤسسة بكفاءة وفاعلية، ويقصد بالكفاءة هنا تحقيق اهدف المؤسسة مع الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانات المتاحة سواء كانت هذه الموارد مادية او بشرية، اما الفاعلية تعني تحقيق اهداف المؤسسة.

• وفي الختام تقع مسؤولية استثمار راس المال البشري وابعادة من تدريب وتعليم وتطوير مهارات وإدارة معرفة على القيادات العليا في المؤسسة وما تتخذه من سياسات واستراتيجيات لاكتشاف قدرات وإمكانات الموظفين وتحسين بيئة العمل لتحقيق أهدافها الذكية التي ينبغي ان تتوافر فيها الشروط الخمسة SMART بمعنى ان تكون الأهداف محددة Specific، وقابلة للقياسMeasurable، ومتفق عليها بين المخطط والمنفذ Agreed، وقابلة للتحقق Realistic، ولها إطار زمني محدد Timely